سيد محمد طنطاوي

164

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الميثاق من النبيين . وأصحاب هذا الرأي كما سبق أن بيناهم جمهور العلماء . أما أصحاب الرأي الثاني الذين يرون أن المراد من الآية أن الأنبياء هم الذين أخذوا الميثاق من غيرهم ، فالمعنى عليه . واذكر يا محمد أو أيها المخاطب وقت أن أخذ الأنبياء العهد على أقوامهم بأنه إذا بعث محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وأدركوه فعليهم أن يؤمنوا به ويصدقوه وينصروه فكأن معنى الآية : واذكر وقت أن أخذ اللَّه الميثاق الذي وثق الأنبياء على أقوامهم . . هذا ، وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذين الرأيين وغيرهما فقال : « ميثاق النبيين » فيه غير وجه : أحدهما : أن يكون على ظاهره من أخذ الميثاق على النبيين بذلك . والثاني : أن يضيف الميثاق إلى النبيين إضافته إلى الموثق لا إلى الموثق عليه ، كما تقول : ميثاق اللَّه وعهد اللَّه كأنه قيل : وإذ أخذ اللَّه الميثاق الذي وثقه النبيون على أممهم . والثالث : أن يراد ميثاق أولاد النبيين وهم بنو إسرائيل على حذف المضاف . والرابع : أن يراد أهل الكتاب وأن يرد زعمهم تهكما بهم لأنهم كانوا يقولون : نحن أولى بالنبوة من محمد لأنا أهل الكتاب ، ومنا كان النبيون » « 1 » . والذي تسكن إليه النفس في معنى الآية . هو الرأي الأول الذي قال به جمهور العلماء ، وذلك لأن الآيات الكريمة مسوقة - كما يقول الفخر الرازي لتعديد تقرير الأشياء المعروفة عند أهل الكتاب ، مما يدل على نبوة محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قطعا لعذرهم ، وإظهارا لعنادهم ، ومن جملة هذه الأشياء ما ذكره - سبحانه - في هذه الآية . وهو أنه - تعالى - أخذ الميثاق من الأنبياء بأنهم كلما جاءهم رسول مصدق لما معهم آمنوا به ونصروه ، وأخبر أنهم قبلوا ذلك ، وحكم - سبحانه - بأنه من رجع عن ذلك كان من الفاسقين . . فحاصل الكلام أنه - تعالى - أوجب على جميع الأنبياء الإيمان بكل رسول جاء مصدقا لما معهم ، ولا شك أن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد جاء مصدقا لما معهم فوجب على الجميع أن يؤمنوا به » « 2 » . ولأن هذا المعنى هو الظاهر من الآية الكريمة . ولا تحتاج إلى تقدير مضاف أو غيره ، والأخذ بالمعنى الظاهر الذي لا يحتاج إلى تقدير أولى من الأخذ بغيره . ولأن أخذ العهد على الأنبياء بأن يؤمنوا بمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أعلى وأشرف لقدره صلَّى اللَّه عليه وسلَّم من أخذه على أممهم وأقوامهم .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 1 ص 379 . ( 2 ) تفسير الفخر الرازي ج 8 ص 122 .